فاز باريس سان جيرمان بدوري أبطال أوروبا مرتين متتاليتين، ويلعب في ملعب أصغر من ملاعب مارسيليا وليون وليل. هذه المفارقة هي جوهر أطول نزاع في كرة القدم الفرنسية الحديثة: نادٍ يريد ملعبًا يناسب حجمه، وبلدية تملك الملعب وترفض بيعه. هذه المقالة تشرح ملعب حديقة الأمراء: موقعه وسعته وتاريخه، ولماذا لم يُحسم مستقبله حتى الآن.
الموقع والاسم
يقع الملعب في الطرف الغربي من باريس، عند بوابة سان كلو في الدائرة السادسة عشرة، داخل حدود المدينة نفسها وليس في ضواحيها.
الاسم يعود إلى تاريخ المكان قبل كرة القدم بقرون، حين كانت المنطقة أرضًا تُستخدم للصيد الملكي، فحملت تسمية "حديقة الأمراء" وبقيت عليها حتى بعد تحولها إلى منشأة رياضية.
وقد شهد الموقع ثلاثة ملاعب متعاقبة منذ أواخر القرن التاسع عشر، آخرها المبنى الحالي الذي افتُتح عام 1972 بتصميم المعماري روجيه تاييبير، بهيكل خرساني مميز يُعد من العلامات المعمارية في باريس.
السعة: المشكلة كلها
تبلغ السعة الرسمية نحو 47,929 متفرجًا، وهو رقم يضع الملعب خلف عدة ملاعب فرنسية أخرى رغم أن صاحبه هو النادي الأكبر في البلاد.
للمقارنة، يتسع ملعب مارسيليا لأكثر من 67 ألفًا، ويتجاوز ملعب فرنسا الوطني 80 ألفًا. أي أن بطل أوروبا يلعب في ملعب لا يدخل قائمة الأكبر في بلده.
ولأن الطلب يفوق المعروض بكثير، فإن أثر هذا الرقم يتجاوز عدد المقاعد إلى إيرادات يوم المباراة كلها: تذاكر أقل، وضيافة أقل، ومساحات تجارية أضيق مما تملكه أندية أوروبية منافسة.
من يملك الملعب
الملعب مملوك لبلدية باريس، ويستأجره باريس سان جيرمان بموجب عقد طويل الأمد.
هذا الترتيب هو أصل النزاع. فالنادي يرى أن ضخ مئات الملايين في توسعة مبنى لا يملكه استثمار غير مبرر، بينما ترفض البلدية بيع منشأة عامة تعتبرها جزءًا من تراث المدينة.
ولهذا السبب تحديدًا ظل الملف عالقًا سنوات: الطرفان متفقان على أن الملعب يحتاج تطويرًا، ومختلفان على من يدفع ومن يملك.
من ديسمبر 2022 إلى قرار الرحيل
بدأ النقاش علنًا في ديسمبر 2022، حين تحدث رئيس النادي ناصر الخليفي صراحة عن احتمال مغادرة الملعب.
وفي مطلع 2024 أعلن النادي خطة الانتقال إلى ملعب جديد بعد رفض المجلس البلدي بيع الملعب، وبدأ دراسة موقعين في ضواحي باريس.
وفي يونيو 2025 كلّف النادي دراسات لموقعين محددين: أراضٍ تابعة لمصنع للسيارات في بلدة بواسي، ومنطقة تطوير حضري في بلدة ماسي. المواصفات المطروحة كانت ملعبًا بسعة تتراوح بين 60 و90 ألف مقعد، بتكلفة تقارب 1.4 مليار يورو، وبأفق افتتاح حوالي 2035.
ثم جاء إعلان ديسمبر 2025 الأوضح: النادي ملتزم بمغادرة الملعب الذي وصفه بأنه لم يعد مواكبًا، بدعم من شريك استثماري.
لماذا عاد الملف إلى نقطة البداية
المنعطف جاء من السياسة المحلية. فمع اقتراب الانتخابات البلدية في باريس مطلع 2026، تحول مستقبل الملعب إلى موضوع في الحملة الانتخابية.
الإدارة السابقة كانت ترفض البيع رفضًا قاطعًا، لكن مرشحين عدة فتحوا الباب أمام صيغ مختلفة. وبعد انتخاب عمدة جديد للمدينة، استُؤنفت المفاوضات وشُكّلت لجنة توجيهية مشتركة يقودها العمدة والرئيس التنفيذي للنادي، بمشاركة ممثلين عن المدينة وجهات عامة أخرى.
الصيغ المطروحة في هذه المرحلة اثنتان: عقد إيجار طويل الأمد بشروط موسّعة، أو بيع مشروط بضمانات تحمي الطابع التراثي للمبنى.
ماذا لو بقي النادي
في حال البقاء، تشير التقارير إلى خطة لرفع السعة من نحو 48 ألفًا إلى ما بين 60 و70 ألفًا، مع احتمال تجاوز هذا السقف في بعض التصورات.
لكن التوسعة هنا ليست بسيطة. الملعب محاط بشوارع ومبانٍ في منطقة كثيفة داخل باريس، وتصميمه الخرساني المميز يجعل أي إضافة عملية معقدة معماريًا وقانونيًا.
ولماذا تراجع خيار الانتقال
في المقابل، ظهرت عقبات في الموقعين البديلين. ففي بواسي، تبيّن أن تحسين وصول النقل العام يتطلب أعمالًا تقدَّر بمئات الملايين من اليوروهات، وتشمل إعادة فتح محطة قطار مغلقة منذ 2004 على خط يربط باريس بالساحل الشمالي.
أما في ماسي، فالمشكلة تتعلق بحركة المرور البرية رغم وجود طريقين سريعين يربطان البلدة بباريس، وتُقدَّر كلفة الأعمال هناك بنحو ثلث كلفة بواسي، وهي مع ذلك مبالغ كبيرة.
هذه الأرقام غيّرت موازين النقاش وأعادت خيار البقاء في حديقة الأمراء إلى الواجهة.
المقارنة التي تزعج النادي
النقطة التي يكررها مسؤولو باريس سان جيرمان في كل نقاش هي المقارنة مع منافسيه الأوروبيين.
ريال مدريد أعاد بناء ملعبه من الداخل ليعمل طوال العام، وبرشلونة يخوض مشروع تجديد ضخمًا، وبايرن وأرسنال وتوتنهام يملكون مرافق تنتج إيرادات في غير أيام المباريات. أما باريس فيدخل هذا السباق بملعب لا يملكه وبسعة أقل من الجميع.
وقد أقرّت بلدية باريس نفسها بهذه النقطة في وثيقة رسمية، إذ أشارت إلى أن الملعب يحتاج إلى تطوير ليواكب المعايير الأوروبية ويدعم نمو النادي. الخلاف إذًا ليس على التشخيص، بل على الحل.
قيد لا يظهر في الأرقام: الحفلات
من التفاصيل التي تكشف حدود الملعب الحالي أن النادي يقصر الحفلات الموسيقية فيه على ثلاث سنويًا، حفاظًا على أرضية اللعب.
السبب أن الملعب لا يملك أرضية قابلة للسحب مثل ملعب توتنهام، ولا نظامًا لإخراج العشب مثل ملعب شالكه. كل حفل يعني ضغطًا مباشرًا على العشب وأيامًا من الإصلاح بعده.
والنتيجة أن النادي يخسر أحد أهم مصادر الدخل في الملاعب الحديثة، حيث تمثل الحفلات والفعاليات بندًا أساسيًا في تشغيل الملعب طوال العام.
عمارة تاييبير
المبنى الحالي ليس ملعبًا عاديًا من الناحية المعمارية. صممه روجيه تاييبير بهيكل خرساني مسبق الصنع، يقوم على 50 دعامة منحنية تحمل المدرجات والسقف معًا دون أعمدة داخلية تعيق الرؤية.
هذا التصميم كان متقدمًا جدًا في مطلع السبعينيات، وهو سبب رئيسي في اعتبار المبنى ذا قيمة تراثية اليوم، وهو ما يعقّد أي حديث عن توسعة أو تعديل جذري.
ونتيجة هذا التصميم أن جميع المقاعد قريبة نسبيًا من أرضية اللعب، وهي ميزة يفتقدها كثير من الملاعب الأكبر حجمًا، وتفسّر تمسّك جزء من الجمهور بالبقاء.
أرقام سريعة عن حديقة الأمراء
سنة افتتاح المبنى الحالي: 1972
المصمم: روجيه تاييبير
السعة: نحو 47,929 متفرجًا
المالك: بلدية باريس
الحفلات المسموح بها سنويًا: ثلاث
الموقع البديلان قيد الدراسة: بواسي وماسي
تكلفة الملعب الجديد المقترح: نحو 1.4 مليار يورو
الملعب والنادي: علاقة متأخرة
من المفارقات أن باريس سان جيرمان ليس أول ساكني الملعب ولا أقدمهم. فالنادي تأسس عام 1970، أي قبل عامين فقط من افتتاح المبنى الحالي، بينما كان الموقع يستضيف كرة القدم والرجبي وسباقات الدراجات منذ عقود.
ولم يستقر النادي في الملعب بصفته بيته الدائم إلا تدريجيًا خلال السبعينيات، وتقاسمه لفترة مع نادٍ باريسي آخر قبل أن ينفرد به.
هذا التاريخ القصير نسبيًا هو أحد أسباب تعقيد النقاش الحالي: البلدية ترى المبنى منشأة باريسية عامة سبقت النادي، بينما يراه النادي بيته الذي صنع فيه تاريخه كله.
تاريخ يتجاوز النادي
قبل أن يصبح ملعب باريس سان جيرمان، كان حديقة الأمراء مسرحًا لمحطات كبرى في كرة القدم الأوروبية.
فقد استضاف أول نهائي في تاريخ كأس الأندية الأوروبية البطلة عام 1956، ثم نهائيات أخرى في السبعينيات والثمانينيات، إضافة إلى نهائي بطولة أمم أوروبا 1984 الذي توّج فيه المنتخب الفرنسي بلقبه القاري الأول.
وظل الملعب البيت الرئيسي للمنتخب الفرنسي حتى افتتاح ملعب فرنسا عام 1998، كما استضاف مباريات في كأس العالم 1998 وبطولة أمم أوروبا 2016.
الأجواء
رغم صغر سعته، يحظى الملعب بسمعة قوية في الأجواء، ومصدرها تصميمه المغلق وقرب المدرجات من أرضية اللعب وانحدارها الحاد.
المدرجان الأشهر هما أوتوي وبولوني، وهما معقلا المجموعات الجماهيرية المنظمة، وبينهما تاريخ طويل من التنافس والتوترات التي شهدت فترات من التضييق قبل عودة التنظيم الجماهيري في السنوات الأخيرة.
وهذا بالضبط ما يخشى الجمهور فقدانه في أي انتقال: ملعب داخل المدينة، مضغوط وصاخب، مقابل مبنى أكبر في ضاحية بعيدة.
ماذا يعني القرار للنادي وللمدينة
الملف أكبر من مسألة مقاعد. فبقاء النادي داخل باريس يحافظ على ارتباطه بالمدينة التي يحمل اسمها، بينما يمنحه الانتقال إلى الضاحية مساحة أوسع ومرافق حديثة وملكية كاملة.
لكن التجربة الأوروبية تحذّر من طرف آخر: ملاعب كثيرة انتقلت من قلب المدينة إلى أطرافها فحصلت على السعة وخسرت جزءًا من أجوائها، واحتاجت سنوات لاستعادتها إن استعادتها أصلًا.
وهناك بُعد مالي أيضًا. مشروع بمليار ونصف يورو يفرض التزامات طويلة الأمد على النادي، في وقت تعاني فيه الكرة الفرنسية من اضطراب في حقوق البث المحلية يجعل التدفقات المستقبلية أقل قابلية للتنبؤ.
متى يُحسم القرار
المتداول أن القرار النهائي كان مستهدفًا خلال 2026، مع مراجعة الخيارات الثلاثة معًا: البقاء مع توسعة، أو بواسي، أو ماسي.
ما تغيّر خلال العام أن النبرة انتقلت من القطيعة العلنية إلى التفاوض، وأن كفة البقاء تحسنت بعد ظهور تكاليف البنية التحتية في الموقعين البديلين.
لكن الشرط الذي يضعه النادي لم يتغير: الاستثمار الكبير يحتاج ملكية، أو ما يعادلها من ضمانات طويلة الأمد.
0 تعليقات